Tuesday, March 31, 2020

البدايات والنهايات: من الكتب إلى الشاشات



كانت البدايات دائمًا تحمل في طياتها أملًا وصعوبة، كما يقول الناس في حكمهم وأقوالهم التي نسجوها من تجاربهم. فلاسفة يتبارزون بالكلمات، وأدباء يسرقون الاقتباسات من هنا وهناك، كل ذلك من أجل لقب “المبدع” في عالم يعشق الألقاب. لكن تلك الأيام انتهت، ومعها انطفأت شمعة الكتب  والروايات والمجلات التي كانت يومًا رفيقة الانسان قتلت وسائل التواصل الاجتماعي كل شيء ملموس.

ماتت المجلة، وتبعها الكتاب إلى القبر، تاركين وراءهما جيلًا أصابه الهوس والجنون. الوقت يمر بسرعة البرق، والهاتف صار وشمًا على أيدي الغالبية العظمى، ملتصقًا بهم كجزء من أجسادهم. أصبح الهاتف أغلى من صاحبه؛ إذا ضاع، كأن الحياة انتهت، والبعض قد يقفز من النافذة بحثًا عنه.

خيوط تلفونية تحرك البشر كالدمى، تقودهم إلى عالم من الشهرة الزائفة والسخافة. نجوم تطبيقات يرقصون بلا هدف، ومهرجون يتسابقون على لقب “الأكثر مشاهدة”، بينما يتفرج الأغبياء ويصفقون. التعلق بالشاشات أوصلنا إلى انحطاط لم نكن نتخيله، حيث البحث عن “لايك” يفوق أهمية الفكرة أو المعرفة.

وربما، بعد سنوات قليلة، سنرى الناس يمشون عراة في الشوارع، لا وقت لديهم لارتداء الملابس مشغولين بتصوير كل لحظة لإرضاء المتابعين. المشهور الفلاني “يبث” حياته والجميع  يتابع بلهفة، كأن العالم توقف عند شاشة صغيرة. لكن وسط هذا الضياع، تبقى أملًا  خافتًا: أن يعود البعض إلى الكتاب، أو يضع الهاتف جانبًا للحظة، ليستعيد ما فقدناه من إنسانيتنا.